هل تؤيد عمل المرأة "كاشيرة" في المحال التجارية؟

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • عراق الاستبداد وعراق الخرافة
    السبت, 25 ديسيمبر 2010
    حازم صاغيّة

    نقلت صحيفة «الغارديان» البريطانيّة (19 كانون الأوّل/ديسمبر) عن مصدر عراقيّ، أنّ صدّام حسين خطّ القرآن بدمه. فعل هذا بمعونة ممرّضة وخطّاط لازماه لإنجاز المهمّة. حصل ذلك على امتداد عامين في أواخر التسعينات.

    القصّة بذاتها كانت لتسلّي لولا عدد من المعطيات: فصدّام عوّدنا على أن يخطّ ما يخطّه بدم غيره، ثمّ إنّ أواخر التسعينات كانت مرحلة مصيريّة للعراق، ولصدّام تحديداً، يُستبعد معها الانصراف إلى مهمّات أخرى. وقبل هذا، وبعده، لماذا يُخَطّ المصحف، وهو مخطوط، ولماذا خطّه بالدم؟

    يغلب الظنّ، وفي معزل عن جوانب الإثارة البوليسيّة في الموضوع، أنّ في الأمر حنيناً إلى صدّام حسين وعهده يتمّ تسريبه تسريباً. وحنين كهذا يغدو أكثر جدّيّة حين يُربط بالمقدّس ورموزه. ذاك أنّ صدّام، إذا ما فعل ذلك حقّاً، يكون قد قدّم برهاناً على ولائه لله وعلى ترفّعه ونزاهته وتواضعه في آن واحد، ممّا يناقض الصورة التي ارتبطت به، كما يوفّر حجّة لا تُدحض للمدافعين عنه. وبالاستفادة من الميثولوجيا، يمكن الاستنتاج أنّ العراقيّين، أو على الأقلّ بعضهم، باتوا يشعرون بالحاجة إلى التكفير عن الذنب الذي نجم عن قتلهم «الأب» صدّام، قبل أن يكتشفوا متأخّرين أيّ تقيّ ورع كانه ذاك «الأب». أمّا الذين لا ينتابهم هذا الشعور، فعليهم أن يشعروا بالذنب، بالضبط لأنّ ذاك الشعور لا ينتابهم!

    وسيرة صدّام، بالمناسبة، تشجّع على تصديق مثل هذا التعويل، عند الملمّات، على المقدّس. فهو، في إحدى لحظاته الحرجة، مَن سكّ على العلم العراقيّ عبارة «الله أكبر». وفي لحظة أخرى، أقام شجرة النسب التي تردّه إلى آل البيت، كما لجأ إلى تديين جوانب أساسيّة من الحياة العامّة بعدما كان الظنّ أنّه يقيم نظاماً علمانيّاً. ويُرجّح أنّه هو نفسه الذي حمل ميشيل عفلق، مؤسّس حزبه، على اعتناق الإسلام.

    هكذا يتّضح، مرّة أخرى، كيف لا يزال ممكناً توظيف المقدّس لخدمة الخرافة. ومن يدري فقد يأتينا في الغد من يقول إنّ صدّام شوهد في السماء، أو من يكشف عن معجزات منسوبة إليه كان تواضعه وحده ما يمنع شيوعها. وعلى هذا النحو، يتعاقب الاستبداد والخرافة على السلطة المفروضة على العقل العامّ، أو يتشاركان فيها على الطريقة التي سادت قبل 2003.

    لكنّ البائس أكثر هو أنّ مرحلة ما بعد 2003 نجحت في التخلّص من الاستبداد، من دون أن تنجح في التخلّص من الخرافة. وهذا ليس مردّه فحسب إلى الموقع المتصدّر الذي باتت تحتلّه أحزاب دينيّة، كحزب الدعوة الإسلاميّ، ومنه رئيس الحكومة نوري المالكي، بل أيضاً إلى سخافة السياسة وسيولة الموت. فقد حفلت الأيّام الأخيرة بتجاور مدهش بين توسّع اللطم في المناسبات العاشورائيّة، والخوف من عمليّات مجرمة أخرى قد يشنّها تنظيم «القاعدة»، فيما العجز متمادٍ عن تشكيل حكومة جديدة.

    هكذا نفهم قلّة حيلة النظام الذي تتحدّث «الغارديان» عن ارتباكه حيال «الاكتشاف» الأخير. وهو ارتباك سيلازم العراق طويلاً، وسيحمل الكثيرين، بالطبع، على... شتم الأميركان.

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية