هل تؤيد عمل المرأة "كاشيرة" في المحال التجارية؟

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • قضية الحجاب والنقاب... الإسلام في مرمى العلمانية الفرنسية
    السبت, 25 ديسيمبر 2010
    القاهرة - «الحياة»

    يستهل الكاتب المصري ممدوح الشيخ كتابه «الإسلام في مرمى نيران العلمانية الفرنسية: ما وراء الحرب الأوروبية على الحجاب والنقاب»، (عن «مكتبة بيروت - سلطنة عمان/ مصر) بالقول إن هذا الكتاب ليس عن «شهيدة الحجاب» الصيدلانية المصرية مروة الشربيني، وإن كان استشهادها سبباً من أسباب صدوره، وهي تكاد تطل من صفحاته. ويضيف أنه محاولة لفهم الثقافة الأوروبية التي وضعنا الحجاب، ومن بعده النقاب، أمام حقيقتها كاشفاً عن أصوليتها العلمانية وتصلبها ورفضها العدواني لـ «الآخر» الديني والقومي والثقافي. والرسالة التي يتضمنها الكتاب هي في المقام الأول، الدعوة إلى تقصي جذور الأزمة في موقف الثقافة الأوروبية، وبخاصة الثقافة الفرنسية التي وضعت الثورة الفرنسية حجر أساسها، فالشجب والغضب تعبيران عاطفيان – وهما يستحقان التقدير – لكن الفهم قد يكون أعمق أثراً، وبخاصة بالنسبة إلى المستقبل، ولقد أصبح الزي الإسلامي رمزاً للمواجهة بين العالم الإسلامي وأوروبا، وكشفت التجربة – ضمن ما كشفت – أن المحيط الأطلنطي أصبح يفصل بين تشكيلين حضاريين تزداد المسافة بين موقف كل منهما من الدين، فبينما تزداد أميركا تديناً تزداد أوروبا ابتعاداً عن الدين وتقييداً لدوره في الشأن العام.

    ومن الدروس المهمة لمعركة الحجاب في أوروبا، وفق ممدوح الشيخ، أن معظم المؤسسات الحقوقية الدولية، والأمم المتحدة، وبعض العواصم الإنغلوسكسونية، وبعض كنائس أوروبا، وبعض جهات التمثيل الديني اليهودية في أوروبا، كانت خلال الأزمة أكثر احتراماً للإسلام من كثير من العلمانيين العرب، مشيراً إلى أن التهاون في حق الإساءات التي تحدث للمقدسات الدينية باسم الإبداع في «بلادنا» يفتح الباب لأن يتجرأ عليها الآخرون في «بلادهم». الباب الأول عنوانه: «المسلمون واليهود في سلة واحدة»، ويخصصه المؤلف لرصد حقيقة مثيرة هي أن الحرب على الحجاب والنقاب هي إعادة إنتاج لـ «المسألة اليهودية»، ولقرون كان كلاهما في الوجدان الأوروبي «عدواً». وفي الحروب الصليبية كانت جيوش الصليبيين حيثما مرت تبيد جماعتين، المسلمين واليهود. وبعد زوال الدول الدينية من أوروبا أصبح اليهود عدواً لمعظم التشكيلات القومية الكبرى في أوروبا، أما العداء للإسلام فقد لا يحتاج لمن يؤرخه.

    «ضد الحجاب أم ضد الدين والتدين؟» سؤال يحاول الفصل الثاني الإجابة عنه، ويفرد المؤلف لذلك قسماً من هذا الفصل لإشكالية تعريف الدين. ويؤكد الشيخ أن أزمة الثقافة الأوروبية مع الدين بدأت في عصر التنوير الذي كان بداية «تأسيس معرفي» للمفاهيم الرئيسة الحاكمة للاجتماع الإنساني، لا مجرد تغيير في هيكلية السلطة أو الموقف من «السلطة الكنسية». وفي إطار هذا التحول ظهر مفهوم جديد للدين سرعان ما أصبح جذراً لسلسة من التعريفات التي لا ينطبق أي منها على الأديان السماوية، وبخاصة الإسلام واليهودية. والخلاف في تعريف الدين نشأت عنه رؤيتان إحداهما تبنتها الدولة المركزية التي ولدت مع انهيار السلطة السياسية للكنيسة بدءاً من صلح وستفاليا (1648)، وتمت ترجمة هذه الرؤية النظرية في برنامج عمل عرف باسم «التحديث».

    الفصل الثالث «الأيديولوجية العلمانية» يناقش تحول العلمانية – بالتحديد في أوروبا – إلى «أصولية»، ويشير في هذا السياق إلى أن بعض علماء الأديان اقترح النظر إلى العَلمانية على أنها دين غير سماوي، والممارسة العَلمانية تتشابه مع بعض الممارسات الدينية، وبخاصة في قضية تمفصلها مع الشأن السياسي. فمثلاً تستند العَلمانية إلى مسلمات عن الخير والشرّ وتُعلي خيارات أخلاقية (مثل تأكيد النفعية أو نفيها)، وهذا موقف فلسفي واختيار ثقافي لا تُجلب إليه الأدلة، بل يقبل أو يرفض وليس له دليل عقلي أقوى من الأدلة العقلية على غيره من المعطيات الفلسفية. كما تتضمن العَلمانية مسلّمات حول وظيفة الإنسان في الكون ودوره وحول طريق السعادة الأمثل وحول طريقة العيش الرغيد. وكل هذه مسبقات مفترضة يمكن أن تُستجلب إليها الأدلة ولكن لا تُبنى على الأدلة. كما تشمل العَلمانية الحديثة إيماناً بنوع من الغيب الأرضي، فمفهوم الندرة الاقتصادي أو مفهوم البقاء للأشرس الاجتماعي أو مفهوم نهاية التاريخ، إنما هي غيبيات تُصاغ بشكل علمي وتُستدعي إليها الدلائل بشكل انتقائي.

    والعَلمانية ليست أقل تدخلاً من الدين في حياة الناس الخاصة، ودعوى عدم التدخل في المجال الشخصي الذي تدعيه العَلمانية، شعار إيديولوجي مبني على موقف قيمي انتقائي. ولم تحقق النظم التي تعتبر نفسها عَلمانية سلاماً أكثر من غيرها من النظم، بل إن الحروب الحديثة التي خاضتها الدول تحت رايات غير دينية وعدد الضحايا التي أسقطتها يفوق ما راكمته البشرية في عصور طويلة، كما أن الديكتاتوريات والحكم الفاشي العَلمـاني لم تكن أقل قمعاً من غيرها البتة. كما أنه لا يمكن أن تدّعي العَلمانية احتكارها استعمال العقل، فبعض كبار الفلاسفة القدامى كانوا من أحبار اليهود وما زالت معابدهم مراكز تعليم، وكذا الأمر بالنسبة إلى الكنيسة.

    وحين نقارن بين الحرية في النظم المتعسفة الدينية والحرية في النظم المتعسفة العلمانية أو اللادينية، والحرية في النظم الدينية المتسامحة ربما يجب علينا الكفّ عن إلصاق العناوين الكبيرة التي تستعمل عبارات «علماني» و»ديني» في وصفٍ شمولي غير دقيق، فكل ديني فيه إجرائيات عَلمانية، وكل علماني فيه مسلّمات ميتافيزيقية. ومع المشكلات التي تواجه مسلمي أوروبا فإن التجربة تؤكد أن «العلمانية الأصولية» المتعصِّبة تتناسى، حتى مبادئها الإنسانية، والجموح الذي تبديه في التعامل مع الوجود الاجتماعي والثقافي والسياسي والديني للإسلام في أوروبا لا يتسق مع حقيقة فقدان كثيرين الثقة بالنظم العَلمانية وتطلعهم نحو مصادر دينية تاريخية لشرعية الاجتماع الوطني. والمؤلف يرى أن مساعي «دمج» المسلمين تشبه إلى حد كبير مساعي دمج اليهود في المجتمعات الأوروبية.

    ويفرد الشيخ فصلاً يناقش فيه «الحجاب والنقاب بين علمانيتين». ففي مقارنة تظهر الفرق الجوهري بين العلمانيتين الفرنسية والألمانية قال نيكولا ساركوزي، عندما كان وزيراً للداخلية في فرنسا: «على من لا يحب الجمهورية الفرنسية الانتقال للعيش في بلد آخر». ويؤكد المؤلف أن ثمة أبعاداً ملازمة للعلمانية الفرنسية التي لم تكن محايدة إزاء شؤون الدين والمجتمع المدني عموماً لأنها كانت من طبيعة جذرية مقاتلة، وذات وجهة معادية للكنيسة الكاثوليكية خصوصاً وللدين عموماً.

    وكان من أول القرارات التي اتخذها رجال الثورة الفرنسية إلحاق الكنيسة بالدولة وتأميم ممتلكاتها، وتحويل رجالها إلى موظفين رسميين يتقاضون رواتب معلومة ضمن المهمات الموكولة إليهم رسمياً، بما لا يختلف كثيراً عن أي موظف في أجهزة الدولة. وحتى حينما اضطر نابليون بونابرت إلى إبرام معاهدة وفاقية مع البابوية (1801) اعترف بموجبها بكون الكاثوليكية ديناً لغالبية الفرنسيين كان ذلك مشروطاً بجعل الكنيسة في خدمة الدولة. ولحق ذلك شيوع مناخات الرعب ومحاولة اقتلاع الكنيسة من منابتها و»تطهير» المجتمع الفرنسي عموماً من المظهر والمؤثرات المسيحية، واتسع ذلك أكثر مع عودة «البوربون» وتحويل ما سمي وقتها «الإرهاب الأبيض» إلى إرهاب قانوني مؤسسي تقوم على إنفاذه مؤسسات الدولة الرسمية.

    وتراهن العلمانية الفرنسية على إخلاء المجال العام من سيطرة الدين وملئه بالقيم الثقافية «الدهرية»، وتعد المدرسة والمؤسسات التعليمية عموماً من أهم وسائلها في ذلك. فالمدرسة عند العلمانيين الفرنسيين ليست مجرد فضاء للتعلم، بل حقل مثالي لإعادة صنع طبيعة ثانية لدى الطفل تقتلعه من المحيط الاجتماعي. ويراهن العلمانيون على تغيير بنية المجتمع من خلال أدوات المدرسة، ولذلك تتوجس العلمانية الفرنسية من كل مظاهر التعبير الديني، سواء في شكله المؤسسي أم حتى الفردي.

    فالعلمانية الفرنسية لا تكتفي بتحرير السياسي من سيطرة الكنيسة، بل تراهن على مقارعة الدين عموماً وطرده من الفضاء العام لتحل محله «القيم العلمانية الصلبة»، وهنا تحل المدرسة محل الكنيسة في إعادة صوغ الوعي الفردي والجماعي. والثقافة السياسية الفرنسية – على نحو ما – تشكلت في مبدأ العلمانية ومرادفها الجمهورية وقامت على نزوعات جذرية مدمرة لا تعرف معاني التوسط والوفاق.

    والعلمانية الفرنسية تعتبر حالة خاصة وفريدة من نوعها حتى مقارنة بالتاريخ السياسي الأوروبي والأميركي. خصوصية تستمد ملامحها العامة من سياقات التجربة الفرنسية ذاتها، فالدور المركزي الموكول للدولة الجمهورية ليس إلا استمرار وتكثيف لدور هذه الدولة في صنع الأمة، خلافاً لكثير من البلدان الأوروبية الأخرى التي كانت فيها الدولة استجابة لاحقة لتشكل الأمة، إلى حد القول بأن تاريخ فرنسا الحديث هو بدرجة أولى تاريخ الدولة الصاهرة الصانعة للأمة القومية.

    وكان حصاد الثقافة الدهرية التي فرضتها الدولة الفرنسية على المجتمع الانتقال من الحياد إلى الإلحاد، وهو درس مهم يتجاوز في أهميته ملف الحجاب، ووفق الإحصاءات فإنه في العام 1966 أعلن 89 في المئة من الفرنسيين انتماءهم إلى أحد الأديان، فيما أكد 10 في المئة أنهم لا يعتنقون أي دين، وبعد 32 عاماً صارت النسب المئوية على التوالي 55 و 45 في المئة. ويشكل الذين لا دين لهم أكثرية واضحة في المجتمع الفرنسي لدى من هم دون الخمسين من العمر لتبلغ نسبتهم 63 في المئة داخل الفئة العمرية 18 ـ 42 سنة. ويمكن اعتبار أن هناك للمرة الأولى منذ قرون عدداً متساوياً من الفرنسيين خارج الديانات وداخلها.

    ويخصص المؤلف فصلاً لقضية «البعد الجسدي (الجنسي) في الحرب على الحجاب والنقاب، فوراء الرفض الواضح للحجاب والنقاب أبعاد ثقافية واعية في الفكر الأوروبي تدفع باتجاه الرغبة في «استئصال» الزي الإسلامي كونه علامة على ما يعتبرونه قهراً للجسد الأنثوي. ومن القضايا المهمة التي تكشف عنها القراءة المعرفية لعلاقة الأوروبيين بالشرق – وبالتحديد في إطار حركة التوسع الاستعماري – أن العلاقة الاستعمارية مع الشرق تبدو في صورة المستعمر الذكر والمستعمرة الأنثى في لقاء جنسي، وكُتاب الرحلات الغربيون في القرن التاسع عشر استخدموا في أغلب الأحيان الصور الجنسية لخلق وتعزيز المنزلة البطولية لكثير من المستكشفين والرحالة الذكور الذين كتبوا عن «فتح» القارات واختراقها، المجهولة، والمتميزة غالباً بخصب الطبيعة الخضراء والنساء.

    وتحت عنوان «الجزائر تلقي الحجاب» كتب الطبيب المناضل فرانز فانون – ابن جزر الأنتيل – في كتابه «سوسيولوجيا ثورة» ما يعد أحد أكثر الدراسات تميزاً وسبقاً في تحليل هذه العلاقة، عبر تجربة الاحتلال الفرنسي للجزائر الذي يمثل المواجهة الأكثر عنفاً بين فرنسا والإسلام. وكانت أول مشكلة في الزي الإسلامي أنه «يبدو ثابتاً إلى حد أنه يكفي بصورة عامة لتمييز المجتمع العربي».

    وتحول الحجاب إلى معركة ضخمة عبأت قوى الاحتلال من أجلها أغزر الموارد وأكثرها تنوعاً، وأظهر فيها المستعمر قوة مذهلة. وحدث أن «المسؤولين عن الإدارة الفرنسية في الجزائر، وقد أوكل إليهم تحطيم أصالة الشعب مهما كان الثمن وزودوا بالسلطات لممارسة تفتيت أشكال الوجود المؤهلة لإبراز حقيقة وطنية من قريب أو بعيد» وقد عملوا على بذل أقصى مجهوداتهم ضد ارتداء الحجاب بوصفه «رمزاً لتمثال المرأة الجزائرية».

    واستطاعت الإدارة الاستعمارية تعريف نظرية سياسية محددة قائلة: «إذا أردنا أن نضرب المجتمع الجزائري في صميم تلاحم أجزائه، وفي خواص مقاومته، فيجب علينا قبل كل شيء اكتساب النساء، ويجب علينا السعي للبحث عنهن خلف الحجاب حيث يتوارين، وفي المنازل حيث يخفيهن الرجل».

    في الباب التالي يناقش المؤلف الصلة المتنامية بين الهوية والديموغرافيا والنبوءات والتحذيرات التي تتكاثر كالفطر من الميزان الديموغرافي في أوروبا وتأثيراته على هويتها. وفي فصلٍ تالٍ يناقش ممدوح الشيخ «الدين وحقوق الإنسان بين فرنسا وأميركا»، وكيف أن أميركا وبريطانيا أدانتا «قانون الحجاب» وحظر النقاب.

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية