أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • حي «المونسية»... أسبوع لمكافحة «المطبات»
    الإثنين, 04 يوليو 2011
    عبدالسلام اليمني

    الفكر أو التفكير – كما ورد في الموسوعة – هو مجمل الأشكال والعمليات الذهنية التي يؤديها عقل الإنسان، والتي تمكنه من نمذجة العالم الذي يعيش فيه، وبالتالي تمكنه من التعامل معه بفعالية أكبر لتحقيق أهدافه وخططه ورغباته وغاياته؛ والإدراك والوعي وشدة الإحساس والخيال مصطلحات مرتبطة بمفهوم الفكر تؤدي إلى الفهم والاستيعاب والتفكير المنطقي المستنير، وبالتالي اتخاذ القرار الصحيح والتخطيط لتنفيذه.

    التميز في تخطيط المناطق السكنية داخل المدن كما عَرّفه المتخصصون في هذا المجال، ينبغي أن يُوضع على تصور مسبق تتكامل فيه عناصره ومكوناته كافة، بطريقة يتم معها التعرف على: كيف يمكن أن تبدو المنطقة بتفاصيلها بعد تنفيذ المخطط؟ ومعرفة الأثر البيئي والحسي والجمالي والنفسي الذي يمكن أن يُحدثه ذلك التصميم على سكانه وزائريه.

    وفي إطلالة على أحياء سكنية حديثة عهد في التخطيط والبناء بمدينة الرياض، وجدت اختلالاً واضحاً في مفهوم التفكير والتخطيط، على رغم أننا جيل نقود التنمية ونعايش أحداث القرن الـ21 بقفزاته الهائلة في العلم والمعرفة وشمولية التخطيط للبناء والتطوير، وتأتي بعد تجربة تنموية طويلة في عمر الزمن؛ إذاً ما الذي تغيّر فينا ونحن نطوي سنوات الألفية الثالثة عاماً بعد عام؟

    ظللت منذ سنوات عشر أجتمع مع أصدقاء أعزاء في نهاية كل أسبوع في استراحة بحي المونسية شرق مدينة الرياض، عايشت هذا الحي منذ أن كان ركاماً من النفايات تتخلله استراحات متفرقة هنا وهناك، وفجأة شُق في وسط الحي طريق يقرب عرضه من المئة متر، يربط شماله بجنوبه، وبدأت مكاتب العقار تنتشر في أركانه، تبعتها مبانٍ تجارية ومحطات وقود، ثم أخذ الحي ينمو شيئاً فشيئاً حتى اكتظ بالمباني السكنية الآهلة بالسكان، وبجولة في أرجائه يشهد الزائر العجب العُجاب، فمن مستودعات آليات ومعدات ثقيلة إلى سكن عمال تابعين لبعض الشركات، مروراً بأحواش رائحتها تفوح بوجود أغنام وإبل وطيور، أما «الوايتات» فهي تتنقل بخفة النمر في شوارع الحي لجلب المياه من «أشياب» تجارية! مواطن يبني مسكناً له ولعائلته وآخر يُنشىء استراحات للتأجير، وثالث يسوق الدواب لأحواشها، ومستثمر يبيع الفول والمثلوثة، وليست هناك رائحة لحديقة ومكتبة أو منظر يُزكي النفس ويرفع من معنويات الصابرين على حرارة الطقس وبلاء الجو المغبر.

    منذ ثلاث سنوات، بدأ طريق «المئة متر» يشتهر في أوساط الشباب المولعين بمغامرة التفحيط، وأطلقوا عليه «طريق الذكريات»، وأصبح مسرحاً لحوادث ذكريات مؤلمة، وآخرها ما حدث من مجزرة مرورية ذهب ضحيتها أفراد أبرياء من سكان الحي تم نقلهم بواسطة طائرة إسعاف الهلال الأحمر؟! وبعد أن وقعت الواقعة واستفحل التجاوز الشبابي المتهور، تدخلت حلول إدارة المرور على الطريقة السعودية الخاصة، فَحُفِرتْ مطبات (نزولية) مؤلمة في طريق الذكريات، وهذا الإجراء عقاب للمفحطين وردعاً للعقلاء في ظل البحث عن أسهل الحلول بعيداً عن عناء الرقابة وأساليب التقنية.

    وسط هذا الكم الهائل من التنوع الفوضوي الذي يعيشه هذا الحي، الذي ليس له نصيب من اسمه الرقيق الرومانسي (المونسية)، وبعد وضوح الرؤية في الدلالة على التراجع في التخطيط والتفكير، أبعث عبر الأثير أسئلة القرن الـ21 لأمانة مدينة الرياض وأقول:

    بودي أن أعرف، وأنا متلهف للإجابة عن الهوية والتصور المسبق الذي وضعته الأمانة الموقرة لمستقبل هذا الحي؟ وهل الأمانة على دراية تامة بما يحدث من اختلال في توازن هذا الحي كأنموذج؟ وبأي لغة سيجيب طواقم المهندسين المدنيين والمعماريين الذين تكتظ بهم الأمانة والبلديات التابعة لها عندما أوجه إليهم سؤالاً، عن الأثر البيئي والحسي، والجمالي والنفسي، الذي يمكن أن تُحدثه هذه الفوضى الخلاقة على سكان حي المونسية وزائريه؟!

    أما بالنسبة للمطبات الاصطناعية وغير الاصطناعية، فأعيد ما سبق وأن كتبته؛ فلو وضعت هيئة المواصفات والمقاييس شروطاً توفر مواصفة عداد قياس لحساب المطبات في كل سيارة لعرفنا على أرض الواقع مستوى جودة شوارعنا الرئيسية والفرعية، ولحطمنا أرقاماً قياسية ستسجل في موسوعة جينيس على أنها تحتل مراتب متقدمة على مستوى العالم!

    قلما نشعر بسلاسة الطرقات وراحتها، ترعبنا أصوات إطارات السيارة وجسمها ونحن نواجه مرتفعات ومنخفضات واهتزازات تجر العمر الافتراضي للسيارة جراً نحو النقصان، وتُرهق ميزانية الفرد والجماعة بتكرار الإصلاحات وقطع الغيار، والمستفيد الأول هم مصنعو السيارات وقطع الغيار، ويأتي بعدهم وكلاء السيارات وورش الإصلاح والصيانة.

    خسائر اقتصادية أتمنى من المهتمين والباحثين حسابها بالإحصائيات والمبالغ وسيتضح لنا مصدر من مصادر الهدر الذي نحس به ولا نحسب له، وسنعرف أن 20 في المئة من إجمالي قيمة هذه الخسائر لو صرفناها على تحسين مستوى شوارعنا لجنبتنا 80 في المئة من هدر وخسائر إقتصادية يتكبدها اقتصادنا الوطني، ولا أعرف ما الجهة المسؤولة التي يمكنها الاهتمام - بنظرة شمولية – بالعوامل والاتجاهات والممارسات المؤثرة سلباً على الاقتصاد الوطني بعيداً عن أرقام الصادرات والواردات ونسب النمو المخالفة لأوضاع التنمية على أرض الواقع!

    أقترح على أمانات المدن في جميع مناطق المملكة تنظيم أسبوع لمكافحة المطبات والحُفَرْ في شوارع المدن، يقوم خلاله جميع موظفي الأمانات يتقدمهم الأمناء بالسير بالمركبات في جميع الطرقات والشوارع ليقفوا بأنفسهم على معاناتنا والهدر الاقتصادي الذي يصيب الوطن جراء الدمار الذي يصيب مركباتنا ويقلل من أعمارها الافتراضية.

    كاتب سعودي.

    [email protected]

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية